مقاتل ابن عطية

485

أبهى المداد في شرح مؤتمر علماء بغداد

وهؤلاء الأطياب لم يسكتوا مطلقا بل تكلموا واعترضوا ولكنهم لم يشهروا سيفا إلا الزبير منهم ، وذلك لعلة عدم اكتمال العدة ، ولكثرة أعوان أصحاب السقيفة من داخل المدينة وخارجها ، لا سيما « قبيلة أسلم حيث أقبلت بجماعتها حتى تضايق بهم السكك فبايعوا أبا بكر ، فكان عمر يقول ما هو إلا أن رأيت أسلم فأيقنت بالنصر » « 1 » . فكانت سلطة أبي بكر مدعمة بقوة الحديد والنار ، والمشيّد لها هو عمر بن الخطاب على حدّ تعبير ابن أبي الحديد « 2 » . وبشدة بطشه وفظاظته وحرصه على الملك توطد حكم أبي بكر ، ثم رجع عمر نفسه فتعوّذ منها فقال : إن قوما يقولون : إن بيعة أبي بكر كانت فلتة ، وإنه لو مات عمر لفعلنا وفعلنا ، أما إن بيعة أبي بكر كانت فلتة ، إلا أن اللّه وقى شرها . . . فإن امرئ بايع امرأ من غير مشورة من المسلمين ، فإنهما بغرّة أن يقتلا » « 3 » . حتى أن أبا بكر عبّر عن وصوله للحكم بالفلتة عندما بايعه قوم من غير مشورة ، فغضب جماعة آخرون منهم أمير الثقلين بل أمير المؤمنين حتى الملائكة ، فقام أبو بكر ، فخطب الناس ، وقال : « إن بيعتي كانت فلتة وقى اللّه شرها ، وخشيت الفتنة ، وأيم اللّه ما حرصت عليها يوما قط ، ولا سألتها اللّه في سر ولا علانية قط » « 4 » . يرد عليه [ ( مقالة أبي بكر إن بيعتي كانت فلتة ) ] : النصرة والمعونة ، فأجابه أربعون رجلا ، فبايعوه على الموت ثم أمرهم أن يحلقوا رؤوسهم ومعهم سلاحهم ، فأصبح لم يوافه منهم إلا أربعة : الزبير والمقداد وأبو ذر وسلمان ، انظر : شرح النهج ج 12 / 12 .

--> ( 1 ) تاريخ الطبري ج 2 / 459 وتاريخ ابن الأثير ج 2 / 331 . ( 2 ) شرح النهج ج 1 / 135 ، قال : وعمر هو الذي شيّد بيعة أبي بكر ووقم المخالفين فيها . ( 3 ) شرح النهج ج 12 / 11 - 12 وفي لفظ ابن هشام : « فلتة فتمّت » سيرة ابن هشام ج 4 / 308 . ( 4 ) نفس المصدر ج 3 / 205 .